أحمد بن محمود السيواسي

105

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الصَّالِحاتِ ) في الرحمة والرضوان والهمزة في « أَمْ حَسِبَ » لإنكار الحسبان ( سَواءً ) بالنصب بدلا من المفعول الثاني ل « نَجْعَلَهُمْ » وهو الكاف بمعنى مستويا ، وارتفاع ( مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ) على الفاعلية له وكان مفردا غير جملة ، والمعنى : أن المحسنين والمسيئين ليسا مساويين محيا ومماتا ، لأن المحسنين عاشوا على القيام بالطاعات والمسيئين على ركوب المعاصي ومات هؤلاء على البشرى بالرحمة من اللّه والوصول « 1 » إلى ثوابه وأولئك ماتوا على اليأس من رحمة اللّه والوصول إلى أشد العذاب ، وقرئ « سواء » « 2 » بالرفع فيكون كلاما مستأنفا على معنى أن المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه « 3 » ، والكافر في الدنيا والآخرة يموت على كفره ويبعث على كفره « 4 » ، فكل يموت على حسب ما عاش عليه ( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) [ 21 ] أي يقضون لأنفسهم حين يعتقدون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين فيها ، نزلت الآية حين قال كفار مكة إنا نعطي في الآخرة من الخير أفضل ما يعطي المؤمنون فيها « 5 » ، فأنكر اللّه عليهم ذلك . [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 22 ] وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 ) ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ) أي بالعدل فلا يقتضي التساوي بين الفريقين ، وقيل : معنى « بِالْحَقِّ » ليدل على صدق قدرته ولذلك عطف عليه قوله « 6 » ( وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) من خير وشر ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) [ 22 ] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم ولا يزادون على عذاب سيئاتهم . [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 23 ] أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) قوله ( أَ فَرَأَيْتَ ) نزل توبيخا لمن عبد الأصنام بهوى نفسه وترك عبادة ربه وعصى أمره « 6 » ، أي أنظرت فرأيت ( مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) لأنه يعمل ذلك بهواه ولا يخاف اللّه ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ ) عن طريق الهداية ( عَلى عِلْمٍ ) من اللّه بأنه من أهل النار ، ومحله حال ( وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ ) فلم يستدل على طريق الهداية ( وَقَلْبِهِ ) أي وختم على قلبه فلا يرغب في الحق ( وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ) وقرئ « غشوة » « 7 » ، أي غطاء لئلا ينظر ويعتبر في آيات اللّه ( فَمَنْ يَهْدِيهِ ) استفهام على سبيل الإنكار ، أي من يرشده إلى طريق الهداية ( مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ) أي بعد إضلال اللّه إياه ( أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) [ 23 ] أي لا تتعظون أن من لا يقبل إلى اللّه بالتوبة لا يكرمه بالهدى . [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 24 ] وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 24 ) ( وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) أي ما الحياة إلا حيوتنا في الدنيا لا حيوة بعد الموت في الآخرة ( نَمُوتُ وَنَحْيا ) أي يموت بعضنا ويحيى بعضنا كأولادنا أو نحيى ونموت « 8 » لأن الواو للجمع لا للترتيب ( وَما يُهْلِكُنا ) أي لا يميتنا ( إِلَّا الدَّهْرُ ) أي مضي الأيام والليالي وانقضاء الآجال ( وَما لَهُمْ بِذلِكَ ) أي بما يقولون ( مِنْ عِلْمٍ ) أي برهان قطعي بل يتكلمون عن جهل ( إِنْ هُمْ ) أي ما القائلون بذلك ( إِلَّا يَظُنُّونَ ) [ 24 ] به ظنا بلا تحقيق ، لأنهم ينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر اللّه وينسبون الحوادث إلى الدهر ولا يعلمون أن خالق الدهر هو الآتي بالحوادث لا الدهر والزمان .

--> ( 1 ) من اللّه والوصول ، ح و : والرضوان ، ي . ( 2 ) « سواء » : قرأ حفص والأخوان وخلف بنصب الهمزة ، والباقون برفعها . البدور الزاهرة ، 294 . ( 3 ) ويبعث على إيمانه ، وي : - ح . ( 4 ) ويبعث على كفره ، وي : - ح . ( 5 ) نقله عن السمرقندي ، 3 / 225 . ( 6 ) هذا المعنى مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 247 . ( 7 ) لعله اختصره من البغوي ، 5 / 126 ؛ والكشاف ، 5 / 247 - 248 . ( 8 ) « غشاوة » : قرأ الأخوان وخلف بفتح الغين وإسكان الشين ، والباقون بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها . البدور الزاهرة ، 294 .